فوزي آل سيف
64
نساء حول أهل البيت
الأسرة بكاملها. كمن يلدغ برقطاء سامة، انتفض آل أبي المغيرة المخزوميين عند سماعهم نبأ إسلام الأسرة، وكان عليهم أن يظهروا أمام باقي قريش إخلاصهم لأوثانهم، وعزمهم على مقاومة الدعوة بالقسوة على مواليهم.. ربما لم يكن مهما عندهم كثيرا أن تتغير عقائد هؤلاء، ما داموا يتمكنون من استخدامهم واستعبادهم، لكن المشكلة أن هذا الدين الجديد، ينفخ في معتنقيه فطرة الحرية، وعدم الخضوع إلا لله الواحد.. وهذا ما كان يؤذيهم. المشكلة أن كفار قريش بدأ بعضهم يلوم بعضا، ويتهم بعضهم بعضا بالتستر على أبنائه، وأقاربه ممن آمن بمحمد، فيقدم صلة القرابة على آلهته، ويفضل حميمه على اللات وهبل والعزى.. وهذا أيضاً مما كان يدل على عدم صدق أولئك فهم تجار حتى في العبادة، ويتحركون ضمن دائرة المصلحة حتى فيما يرتبط بأمور الدين.. ولكي يبرهن هؤلاء على حماسهم الشديد لآلهتهم، وأنهم لا يتنازلون عنها فقد صبوا جام غضبهم، بل كل حقدهم على أولئك الضعفاء من الموالي والعبيد الذي ساقهم قدر ماضيهم لأن يكونوا في بيوت الكفار. ووضع ياسر على رمضاء الأبطح وكان ربما ألبس أدرع الحديد في أيام القيظ اللاهب ويترك ينصهر في الشمس، وربطت سمية للعذاب والتنكيل، ودارت أيام العذاب وئيدة، بطيئة، يومها شهر وشهرها دهر، والأبدان تذوى، والمهجة تتفانى، وشمعة العمر تطفئها رياح القسوة.. ويمر النبي الكريم صلى الله عليه وآله ، ويرى القوم هكذا، فيقول: صبراً آل ياسر موعدكم الجنة.. وكان ذلك من معجزات نبوته صلوات الله عليه، أن يخبر عن أن هذه الأسرة تزف إلى الجنة، مع أنه يحتمل أن يتراجع أحدهم أو ينصرف عن دينه.. بل حتى عندما طال العمر بعمار الابن، وعاصر مختلف الأحداث إلى أكثر من أربعين عاما بعد مقالة النبي صلى الله عليه وآله تلك، فإنه كان في مواقفه على موعد مع الجنة دائماً فلا يختار إلى ما يؤدي به إليها.. واستمر العذاب، واستمر الصمود، وكأن سمية ومعها ياسر هم الذين يعذبون سادتهم، وينغصون عليهم حياتهم؛ كانوا وهم في أدرع الحديد في الشمس في قيظ مكة محرومين من الماء والراحة، بينما كانوا في أتم سلام نفسي، وهدوء داخلي وهم ينتظرون عن قريب تحقق موعد رسول الله، وفي المقابل كان آل أبي المغيرة وأبو جهل، وسواهم، ينتظرون صرخة استسلام أو تراجع من الشيخين الكبيرين الطاعنين في السن، فلم يحظوا بذلك، وكان هذا يمرغ أنوفهم في التراب، لكأنهم تفقأ في أعينهم حبات الحصرم غيظاً، ويهز وجودهم هذا الصمود، فيزيدهم غيظاً على غيظ، ويرفع الضغط في دمائهم إلى آخر مستوياته.